ابن أبي الحديد

135

شرح نهج البلاغة

ونكفيك بكرا إذا أقبلت * بضرب يشيب له الأمرد ولكيز بن أفصى تعم عبد القيس . قال : فلما تواقفوا بعث إليهم الأحنف : يا معشر الأزد من اليمن وربيعة من أهل البصرة ، أنتم والله أحب إلينا من تميم الكوفة ، وأنتم جيراننا في الدار ، ويدنا على العدو ، وأنتم بدأتمونا بالأمس ، ووطأتم حريمنا ، وحرقتم علينا ، فدفعنا عن أنفسنا ، ولا حاجة لنا في الشر ما طلبنا في الخير مسلكا ، فتيمموا بنا طريقة مستقيمة ( 1 ) . فوجه إليه زياد بن عمرو ، تخير خلة من ثلاث : إن شئت فأنزل أنت وقومك على حكمنا ، وإن شئت فخل لنا عن البصرة وارحل أنت وقومك إلى حيث شئتم ، وإلا فدوا قتلانا ، واهدروا دماءكم ، وليود مسعود دية المشعرة . قال أبو العباس : وتأويل قوله : " دية المشعرة " ، يريد أمر الملوك في الجاهلية ، وكان الرجل إذا قتل وهو من أهل بيت المملكة ودي عشر ديات - فبعث إليه الأحنف : سنختار . فانصرفوا في يومكم ، فهز القوم راياتهم وانصرفوا ، فلما كان الغد ، بعث الأحنف إليهم : إنكم خيرتمونا خلالا ليس لنا فيها خيار ، أما النزول على حكمكم فكيف يكون والكلم ( 2 ) يقطر ، وأما ترك ديارنا فهو أخو القتل . قال الله عز وجل : ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل ) ( 3 ) ، ولكن الثالثة إنما هي حمل على المال ، فنحن نبطل دماءنا ، وندي قتلاكم ، وإنما مسعود رجل من المسلمين ، وقد أذهب الله عز وجل أمر الجاهلية ، فاجتمع القوم على أن يقفوا أمر مسعود ، ويغمدوا السيف ، وتودي سائر القتلى من الأزد وربيعة ، فضمن ذلك الأحنف ، ودفع إليهم إياس بن قتادة المجاشعي رهينة حتى يؤدى هذا المال ، فرضى به القوم ، ففخر بذلك الفرزدق ، فقال لجرير :

--> ( 1 ) الكامل : " قاصدة " . ( 2 ) الملم : الجرح . ( 3 ) سورة النساء 66 .